محمد بن جرير الطبري
577
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قالوا : وقوله : " إلا قليلا " ، خرج مخرج الاستثناء في اللفظ ، وهو دليل على الجميع والإحاطة ، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحدٌ من الضلالة ، فجعل قوله : " إلا قليلا " ، دليلا على الإحاطة ، ( 1 ) واستشهدوا على ذلك بقول الطرِمّاح بن حكيم ، في مدح يزيد بن المهلب : أَشَمُّ كَثِيرُ يُدِيِّ النَّوَالِ ، . . . قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَةْ ( 2 ) قالوا : فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب ، ومعلوم أن معناه أنه لا مثالب فيه ولا معايب . لأن من وصف رجلا بأنّ فيه معايب ، وإن وصف الذي فيه من المعايب بالقلة ، فإنما ذمَّه ولم يمدحه . ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه . قالوا : فكذلك قوله : " لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " ، إنما معناه : لاتبعتم جميعكم الشيطان . * * * قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي ، قولُ من قال : عنى باستثناء " القليل " من " الإذاعة " ، وقال : معنى الكلام : وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ولو ردوه إلى الرسول . * * * وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب ، لأنه لا يخلو القولُ في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا ، وغير جائز أن يكون من قوله : " لاتبعتم الشيطان " ، لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته ، فغير جائز أن يكون من تُبَّاع الشيطان . * * *
--> ( 1 ) انظر ما قاله في معنى " القليل " فيما سلف 2 : 331 / 8 : 439 ، وما كتبته في الجزء الأول : 554 ، تعليق : 1 . ( 2 ) ديوانه : 139 . " الأشم " : السيد ذو الأنفة والكبرياء ، من " الشمم " وهو ارتفاع في قصبة الأنف ، مع استواء أعلاه ، وإشراف الأرنبة قليلا . وهو من صفات الكرم والعتق . وقوله " يدي " ( بضم الياء وكسر الدال ، والياء المشددة ) أو ( بفتح الياء وكسر الدال وتشديد الياء ) ، جمع " يد " الأول جمعها على وزن " فعول " ، مثل فلس وفلوس ، والثاني جمعها على وزن " فعيل " مثل عبد وعبيد . كأنه قال : كثير أيدي النوال . وفي ديوانه : " يدي " بفتح الياء والدال وهو خطأ . وفي المخطوطة : " برى النوادي " ، وهو خطأ لا معنى له . و " المثالب " جمع " مثلبة " ، وهي العيوب الجارحة . و " القادحة " يعني بها : العيوب التي تقدح في أصله وخلائقه ، سماها بالقادحة ، وهي الدودة التي تأكل الأسنان ، أو الأشجار ، ووضعها اسما للجمع .